الشوكاني

21

فتح القدير

سورة المائدة الآية ( 12 - 14 ) قوله ( ولقد أخذ الله ) كلام مستأنف يتضمن ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل من الخيانة . وقد تقدم بيان الميثاق الذي أخذه الله عليهم . واختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع منهم على أن النقيب كبير القوم العالم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها . والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ، ويقال نقيب القوم لشاهدهم ، وضمينهم . والنقيب : الطريق في الجبل هذا أصله ، وسمى به نقيب القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم . والنقيب : أعلى مكانا من العريف ، فقيل المراد ببعث هؤلاء النقباء أنهم بعثوا أمناء على الاطلاع على الجبارين والنظر في قوتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك ، فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها ، فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى ، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم ، ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو وقالوا - اذهب أنت وربك فقاتلا - وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله ، وهذا معنى بعثهم ، وسيأتي ذكر بعض ما قاله جماعة من السلف في ذلك . قوله ( وقال الله إني معكم ) أي قال ذلك لبني إسرائيل ، وقيل للنقباء ، والمعنى : إني معكم بالنصر والعون ، واللام في قوله ( لئن أقمتم الصلاة ) هي الموطئة للقسم المحذوف ، وجوابه ( لأكفرن ) وهو ساد مسد جواب الشرط . والتعزير : التعظيم والتوقير ، وأنشد أبو عبيدة : وكم من ماجد لهم كريم * ومن ليث يعزر في الندى أي يعظم ويوقر . ويطلق التعزير على الضرب والرد ، يقال عزرت فلانا : إذا أدبته ورددته عن القبيح ، فقوله ( وعزرتموهم ) أي عظمتموهم على المعنى الأول ، أو رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني . قوله ( وأقرضتم الله قرضا حسنا ) أي أنفقتم في وجوه الخير - و ( قرضا ) مصدر محذوف الزوائد كقوله تعالى - وأنبتها نباتا حسنا - أو مفعول ثان لأقرضتم . والحسن : قيل هو ما طابت به النفس ، وقيل ما ابتغى به وجه الله ، وقيل الحلال ، قوله ( فمن كفر بعد ذلك ) أي بعد الميثاق أو بعد الشرط المذكور ( فقد ضل سواء السبيل ) أي أخطأ وسط الطريق . قوله ( فيما نقضهم ميثاقهم ) الباء سببية وما زائدة ، أي فبسبب نقضهم ميثاقهم ( لعناهم ) أي طردناهم وأبعدناهم ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي صلبة لا تعي خيرا ولا تعقله . وقرأ حمزة والكسائي " قسية " بتشديد الياء من غير ألف ، وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب ، يقال درهم قسى مخفف السين مشدد الياء : أي زائف ، ذكر ذلك أبو عبيد . وقال الأصمعي وأبو عبيدة : درهم قسى كأنه معرب قاس . وقرأ الأعمش " قسية " بتخفيف الياء .